ابن كثير
33
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
يحل لنا منها ؟ قال « يحل لكم ما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم اللّه ، فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم اللّه عليه » ثم قال « ما أرسلت من كلب وذكرت اسم اللّه عليه فكل مما أمسك عليك » قلت : وإن قتل ؟ قال « وإن قتل ما لم يأكل » قلت : يا رسول اللّه ، وإن خالطت كلابنا كلابا غيرها ؟ قال « فلا تأكل حتى تعلم أن كلبك هو الذي أمسك » . قال : قلت : إنا قوم نرمي فما يحل لنا ؟ قال « ما ذكرت اسم اللّه عليه وخزقت فكل » . فوجه الدلالة لهم أنه اشترط في الكلب أن لا يأكل ، ولم يشترط ذلك في البزاة ، فدل على التفرقة بينهما في الحكم ، واللّه أعلم . وقوله تعالى : فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ أي عند إرساله له كما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لعدي بن حاتم « إذا أرسلت كلبك المعلم ، وذكرت اسم اللّه ، فكل ما أمسك عليك » وفي حديث أبي ثعلبة المخرج في الصحيحين أيضا « إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم اللّه ، وإذا رميت بسهمك فاذكر اسم اللّه » ولهذا اشترط من اشترط من الأئمة كالإمام أحمد رحمه اللّه في المشهور عنه ، التسمية عند إرسال الكلب ، والرمي بالسهم ، لهذه الآية وهذا الحديث ، وهذا القول هو المشهور عن الجمهور أن المراد بهذه الآية الأمر بالتسمية عند الإرسال كما قال السدي وغيره ، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ يقول : إذا أرسلت جارحك فقل : باسم اللّه ، وإن نسيت فلا حرج « 1 » ، وقال بعض الناس : المراد بهذه الآية الأمر بالتسمية عند الأكل ، كما ثبت في الصحيحين أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم علم ربيبه عمر بن أبي سلمة فقال « سمّ اللّه وكل بيمينك وكل مما يليك » « 2 » . وفي صحيح البخاري عن عائشة أنهم قالوا : يا رسول اللّه ، إن قوما يأتوننا حديث عهدهم بكفر بلحمان لا ندري أذكر اسم اللّه عليها أم لا ؟ فقال « سموا اللّه أنتم وكلوا » « 3 » . حديث آخر - وقال الإمام أحمد « 4 » : حدثنا يزيد ، حدثنا هشام عن بديل ، عن عبد اللّه بن عبيد بن عمير ، عن عائشة : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يأكل الطعام في ستة نفر من أصحابه ، فجاء أعرابي فأكله بلقمتين ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم « أما إنه لو كان ذكر اسم اللّه لكفاكم ، فإذا أكل أحدكم طعاما فليذكر اسم اللّه ، فإن نسي أن يذكر اسم اللّه في أوله ، فليقل : بسم اللّه أوله وآخره » ، وهكذا رواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن يزيد بن هارون به ، وهذا منقطع بين عبد اللّه بن عبيد بن عمير وعائشة فإنه لم يسمع منها هذا الحديث بدليل ما رواه الإمام
--> ( 1 ) تفسير الطبري 4 / 439 . ( 2 ) صحيح البخاري ( أطعمة باب 2 ) وصحيح مسلم ( أشربة حديث 108 ) ( 3 ) صحيح البخاري ( توحيد باب 13 ) ( 4 ) مسند أحمد 6 / 143 .